“قليلة هي الأشياء التي تمنحني سرورا أكثر من سروري برؤية الإمبراطورية التركية تختفي نهائيا من أوروبا ورؤية القسطنطينية وقد أصبحت روسية”
على مدار قرون شكلت الطموحات الروسية للوصول إلى “المياه الدافئة” والسيطرة عليها المحرك الأول للصراعات في شرق أوروبا وحوض البحر الأسود، حيث تطور الصعود التدريجي لقوة موسكو منذ القرن الخامس عشر من مجرد مناوشات حدودية مع المغول والعثمانيين إلى مشروع إمبراطوري توسعي استهدف قلب الخلافة العثمانية.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بلغت هذه الأطماع ذروتها التاريخية حين لم يعد الروس يكتفون بالأقاليم الحدودية، بل باتت إسطنبول والمضائق هي الجائزة الكبرى التي رُهنت بها التحالفات الروسية السرية مع بريطانيا وفرنسا، ففي ظل أجواء استعمارية، تداخلت أحلام القيصر الروسي مع حسابات “عصبة القراصنة” في لندن وباريس، لترسم ملامح مرحلة فاصلة بدأت بوعود سرية لتقسيم التركة العثمانية، وانتهت بزلزال سياسي غير متوقع كشف للعالم كيف تُطبخ القرارات الكبرى في الغرف المظلمة.

الصعود الروسي والتراجع العثماني
منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت سلطة المغول المسلمين في مناطق جنوب روسيا والقوقاز وأوكرانيا وأجزاء من بولندا في التفكك تدريجيا، مع الصعود المتزايد للقوة الروسية الناشئة. حينها شرع الروس في سلسلة طويلة من الحملات العسكرية والصدامات السياسية التي مكنتهم مع مرور الوقت من التوسع خارج نطاقهم التقليدي، حتى وصلوا إلى منطقة آزوف شمالي البحر الأسود.
ومع هذا التمدد ظهرت للمرة الأولى تحديات حقيقية تواجه الهيمنة الإسلامية المغولية في تلك المناطق، قبل أن تتحول لاحقا إلى تهديد مباشر للعثمانيين الذين كانوا ينظرون إلى البحر الأسود باعتباره مجالا عثمانيا مغلقا يخضع لسيطرتهم الكاملة.
“نظرت الدولة العثمانية إلى البحر الأسود باعتباره مجالا مغلقا يخضع لسيطرتها الكاملة”
خلال القرون التالية استمرت حالة الصراع والتنافس بين الدولة العثمانية وروسيا بصورة شبه دائمة، إذ تبنت الإمبراطورية الروسية، خاصة في عهد قياصرتها الكبار مثل بطرس الأكبر وكاترين الثانية (كاترين العظيمة)، رؤية إستراتيجية واسعة تقوم على إضعاف القوى المحيطة بها وفي مقدمتها الدولة العثمانية. وكان الهدف من هذه السياسة إخراج روسيا من عزلتها الجغرافية، وربطها مباشرة بأوروبا الغربية وفتح الطريق أمامها للوصول إلى البحار الدافئة، بما يضمن لها التحول إلى قوة دولية كبرى ذات نفوذ سياسي وتجاري وعسكري واسع.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وبحلول القرن الثامن عشر أصبحت روسيا قوة جيوسياسية نافذة، وبدأ قياصرتها في تنفيذ مشروع توسعي يقوم على تحطيم القوى المحيطة بها، وفي مقدمتها السويد وبولندا ثم الدولة العثمانية، وتمكنت الإمبراطورية في عهد كاترين الثانية من توسيع النفوذ الروسي في شمال وشرق أوروبا، بينما أخذت الأنظار الروسية تتجه بصورة متزايدة نحو الأراضي العثمانية في البلقان والقوقاز والبحر الأسود.

في تلك المرحلة، كانت الدولة العثمانية تواجه ضغوطا متزامنة من الروس والنمساويين والفرس، غير أن الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) محمد راغب باشا اتجه بدعم من السلطان مصطفى الثالث، إلى سياسة تقوم على تجنب الحروب والتركيز على إصلاح مؤسسات الدولة وتقوية الإدارة والاقتصاد والقضاء والجيش بعد سنوات طويلة من الاضطرابات. في المقابل، برز داخل الدولة العثمانية تيار آخر من القادة العسكريين والسياسيين رأوا أن استمرار الهدنة أضعف هيبة الدولة ومكانتها، ودفعوا باتجاه العودة إلى المواجهة العسكرية.
في نهاية المطاف، دخلت الدولة العثمانية حرب عام 1768 في وقت لم تكن فيه مستعدة عسكريا بالشكل الكافي، خاصة بعد عقود من السلام أضعفت الخبرة القتالية والانضباط العسكري، في حين كانت روسيا قد أعادت تنظيم جيشها بصورة أكثر تطورا. وقد تحولت الحرب إلى صدمة قاسية كشفت حجم التراجع الإداري والعسكري الذي أصاب الدولة العثمانية، وأظهرت أن التوازنات الدولية في أوروبا بدأت تميل بصورة متزايدة لصالح القوى الأوروبية الصاعدة وعلى رأسها روسيا.
“تحولت حرب عام 1768 إلى صدمة قاسية كشفت حجم التراجع الإداري والعسكري الذي أصاب الدولة العثمانية”
امتدت الحرب لعدة سنوات، واتسعت لتشمل العديد من الجبهات، فدفعت الدولة العثمانية بحلفائها من تتار القرم لشن هجمات على الحدود الروسية الشمالية، ونجحوا في تحقيق بعض المكاسب في المراحل الأولى من القتال، بينما اشتعلت المواجهات أيضا على الساحة البولندية، وفي المقابل كانت روسيا قد أمضت سنوات في بناء قوة بحرية حديثة في بحر البلطيق، مستعينة بضباط وخبراء أوروبيين ثم أرسلت أسطولها في رحلة طويلة عبر المحيط الأطلسي نحو البحر المتوسط، في خطوة لم يتوقعها العثمانيون الذين اعتقدوا أن السيطرة البحرية في تلك المنطقة لا تزال بعيدة عن الروس.

سنوات الانتصار الروسي
وسرعان ما ظهرت نتائج هذا التحول عندما اندلعت معارك بحرية عنيفة في بحر إيجة انتهت بانتصار روسي كبير عام 1770 حيث دُمّر جزء كبير من الأسطول العثماني في ميناء جشمة، وسيطر الروس على جزيرة خيوس (في بحر إيجة)، ما أحدث صدمة واسعة في أوروبا والعالم العثماني. وكاد الروس يستغلون انهيار الدفاعات البحرية للتقدم نحو إسطنبول عبر الدردنيل، لولا الخلافات بين قادتهم في وقت كانت الدولة العثمانية تحاول بشكل متأخر تحصين المضائق وإعادة تنظيم دفاعاتها.
ولم تتوقف الهزائم عند الجبهة البحرية، إذ تمكن الروس من التوسع في مناطق البلقان وفرضوا ضغطا عسكريا متزايدا على الدولة العثمانية حتى بات الطريق إلى إسطنبول مفتوحا نسبيا أمامهم. وبعد سنوات من الاستنزاف العسكري والاقتصادي اضطرت الدولة العثمانية إلى توقيع معاهدة كوجك قينارجه عام 1774، وهي من أكثر المعاهدات قسوة في تاريخها. فقد خسرت الدولة بموجبها نفوذها المباشر على القرم، ومنحت روسيا امتيازات سياسية ودينية واسعة داخل الأراضي العثمانية، كما حصل الروس على موطئ قدم ثابت في البحر الأسود ومُنحوا حق التدخل في شؤون بعض المناطق التابعة للعثمانيين.
“اضطرت الدولة العثمانية إلى توقيع معاهدة كوجك قينارجه عام 1774، وهي من أكثر المعاهدات قسوة في تاريخها”
وقد شكلت هذه المعاهدة نقطة تحول كبرى في تاريخ الدولة العثمانية، إذ فتحت الباب أمام النفوذ الروسي في البلقان والبحر الأسود، وكشفت بوضوح حجم التراجع العسكري والإداري الذي أصاب الدولة العثمانية مقارنة بالقوى الأوروبية الصاعدة، ولهذا يرى عدد من المؤرخين مثل فريدون أمجن أن مرحلة القوة العثمانية التقليدية بدأت بالأفول الحقيقي بعد هذه الحرب، رغم محاولات الإصلاح والتحديث التي استمرت خلال القرنين التاليين.
ويرى المؤرخ المصري محمد فريد في كتاب “تاريخ الدولة العلية العثمانية” أن أحد أبرز أسباب تراجع الدولة العثمانية تمثل في عدم إدراك رجال الدولة مبكرا لحجم المشروع التوسعي الروسي الذي بدأ يتبلور منذ عهد بطرس الأكبر في مطلع القرن الثامن عشر، فبينما كانت روسيا تعمل بصورة منهجية على توسيع نفوذها وإسقاط القوى المحيطة بها، لم تستوعب الدولة العثمانية خطورة التحولات الجارية في أوروبا الشرقية، الأمر الذي أتاح للروس التمدد على حساب بولندا والمناطق السويدية، قبل أن تتجه أنظارهم بصورة مباشرة نحو الدولة العثمانية باعتبارها العقبة الكبرى الأخيرة أمام مشروعهم الإمبراطوري.
ومع مرور الوقت انعكست هذه التحولات على ميزان القوى في المنطقة، إذ دخلت الدولة العثمانية في سلسلة من الحروب الصعبة مع روسيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تكبدت فيها خسائر عسكرية وسياسية متلاحقة، بينما واصلت الإمبراطورية الروسية تقدمها نحو البحر الأسود والبلقان والقوقاز، مستفيدة من تفوقها العسكري والتنظيمي ومن حالة الضعف التي أصابت مؤسسات الدولة العثمانية.

إسطنبول الجائزة الكبرى
وقد حانت لحظة الانقضاض الروسي على الدولة العثمانية وجوهرتها إسطنبول حين دخل العثمانيون الحرب العالمية الأولى بجوار ألمانيا ضد البريطانيين والفرنسيين ثم انضم الروس إلى الحرب ضد العثمانيين، ووفق التفاهمات السرية التي جرت إبان تلك الحرب، كانت روسيا شديدة الحرص على أن تستولي على إسطنبول ومضيق البوسفور بأي طريقة كانت.
ويرى المؤرخ البريطاني ديفيد فرومكين في كتابه “سلام ما بعده سلام” أن إلحاح روسيا هو الذي دفع القادة البريطانيين الكبار مثل كيتشنر (وزير شؤون الحرب) وتشرشل (وزير البحرية حينها) إلى القيام بحملة الدردنيل عام 1915 التي انتهت بمعركة جناق قلعة الشهيرة التي أبدى فيها العثمانيون مقاومة شرسة ضد الحلفاء. وقد تزامن ذلك مع زيادة مخاوف الروس من وقوع إسطنبول في أيدي البريطانيين منافسيهم التقليديين.
“طالب القيصر الروسي بريطانيا وفرنسا بتسليم إسطنبول ومضائقها لروسيا مقابل إقرار موسكو بالسيطرة البريطانية الفرنسية على باقي أراضي الدولة العثمانية”
في 4 مارس/آذار 1915 أرسل وزير الخارجية الروسي وقتها سيرغي سازونوف برقية سرية إلى لندن وباريس متضمنة رسالة من القيصر الروسي نيقولا الثاني يطلب فيها من الحلفاء تسليم إسطنبول والمضائق المحاذية لها إلى روسيا، مقابل وعد الروس بأن يصغوا بتعاطف وتفهم إلى خطط بريطانيا وفرنسا في مناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية وخاصة المنطقة العربية.
ورغم أن هذا الطلب قوبل في فرنسا بخوف واضطراب بسبب خشية الفرنسيين أن تصطدم مصالحهم في الشرق الأوسط مع مصالح الروس، فإن الإنجليز عملوا على تهدئة مخاوف الفرنسيين، فقد كان دخول الروس في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان هو المكسب الأهم بالنسبة للبريطانيين.
ورغم أن مسألة سقوط الدولة العثمانية وتكالب القوى الاستعمارية عليها كان بمثابة برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة، وقد استمر قرونا يدور بين هؤلاء المتنافسين؛ خشية من أن يؤثر استيلاء أحدهم على مساحات ومناطق إستراتيجية في الأناضول والبوسفور أو البحر المتوسط والشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية على مطامع الآخرين وأحلامهم التوسعية، فقد حرصت السياسة الأوروبية طويلا على سياسة “الحفاظ على الوضع الراهن” حتى لا تسقط الدولة العثمانية في يد غريم منفرد يستحوذ على نصيب الأسد، ويهدد البقية.
ولكن هذه السياسة بدأت في التغير والتقلب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر لأسباب مختلفة، منها روسيا ذاتها التي انتصرت على الدولة العثمانية في حرب عام 1878 ووصول قواتها بالفعل إلى مشارف إسطنبول مغيرة الخارطة السياسية في البلقان وشرق أوروبا، الأمر الذي جعل مسألة “الحفاظ على الوضع الراهن” غير ذات جدوى بالنظر إلى الوقائع على الأرض في ذلك الحين.

ويبدو أن بعض الأصوات السياسية البريطانية كانت تخشى من القوى الموالية لألمانيا داخل البلاط الروسي، والتي كانت بريطانيا تنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد حقيقي، حيث رأت أن الحملة البريطانية على الدردنيل ستتعرض للتشويه والفشل إذا لم تحصل روسيا على مقابل سياسي يتمثل في القسطنطينية (إسطنبول) والمضائق.
وقد نقل فرومكين عن أحد السياسيين البريطانيين وقتئذ قوله: “كانت سياسة بريطانيا دائما تقضي بإبعاد روسيا عن القسطنطينية والمضائق، وبطبيعة الحال ما زالت هذه هي سياستها (إبان الحرب العالمية الأولى)، وبريطانيا تريد الآن احتلال القسطنطينية لتحرم روسيا من الحصول عليها في مؤتمر الصلح بعد أن تكون بريطانيا وفرنسا، بمساعدة روسيا، قد تمكنتا من كسب الحرب، وإلا فما الدافع لإرسال قوات بريطانية إلى الدردنيل في وقت تعاني فيه الجيوش البريطانية والفرنسية من ضغوط شديدة في فرنسا إلى حد أن الجيوش الروسية مضطرة لتقديم المساعدة لإنقاذهم”.
في ظل هذه الأجواء، بدأت قطاعات مؤثرة داخل الحكومة البريطانية تميل إلى تقديم تنازلات للروس للحفاظ على التحالف القائم معهم، وكان كل من هربرت أسكويث (رئيس الوزراء) وإدوارد غراي (وزير الخارجية) زعيما حكومة الحزب الليبرالي من أبرز الشخصيات المؤيدة لهذه الفكرة، خاصة بعد أن تغيرت النظرة البريطانية التقليدية تجاه مسألة إسطنبول والمضائق، فبعد عقود طويلة كانت فيها بريطانيا تعتبر منع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة جزءا أساسيا من سياستها الدولية، ظهرت قناعة جديدة داخل بعض الدوائر الحاكمة بأن استمرار الحرب يفرض قدرا من المرونة تجاه المطالب الروسية.
“ظهرت قناعة جديدة داخل بعض الدوائر الحاكمة في بريطانيا بأن استمرار الحرب يفرض قدرا من المرونة تجاه المطالب الروسية”
وقد عبّر رئيس وزراء بريطانيا آنذاك هربرت هنري أسكويث عن هذا التحول بصورة واضحة عندما كتب قائلا: “قليلة هي الأشياء التي تمنحني سرورا أكثر من سروري برؤية الإمبراطورية التركية تختفي نهائيا من أوروبا ورؤية القسطنطينية وقد أصبحت روسية (وهذا ما أظن أنه قدرها المناسب) وإذا لم يكن هذا ممكنا فلنكن محايدين”.
مع استمرار الحرب اتجه الموقف البريطاني أكثر نحو القبول بالطموحات الروسية، بعدما أصبح واضحا للساسة البريطانيين أن روسيا مصممة على ضم القسطنطينية والأراضي المحيطة بالمضائق إلى نفوذها المباشر، وقد لخص أحد المسؤولين البريطانيين هذا التوجه بقوله: “لقد أصبح واضحا تمام الوضوح أن روسيا عازمة على ضمها (إسطنبول) إلى أراضيها”.

ومن اللافت أن متابعة المخططات التي وُضعت وجرى النقاش في مجلس الوزراء البريطاني بخصوص الدولة العثمانية في ذلك الوقت تؤكد هذا التوجه. الأهم أن البريطانيين أكدوا حتمية أن يكون لبلادهم نصيب في الإرث العثماني، وعدم ترك الدول الأخرى تتهافت عليه دون أن يأخذوا نصيبا لأنفسهم، بحسب ما يذكره مارتن غيلبرت في موسوعته “ونستون س تشرشل”.
“اتفاقية القسطنطينية عام 1915 ضمنت فيها روسيا سيادتها على إسطنبول والمضائق التركية مقابل اعترافها بمصالح بريطانيا وفرنسا في الأراضي العربية”
في نهاية المطاف، وفي الوقت الذي كانت فيه المراسلات بين الشريف حسين وهنري مكماهون تعد العرب بالاستقلال، كان الدبلوماسيان مارك سايكس وفرانسوا بيكو يعقدان اجتماعات مكثفة لتقسيم المنطقة لم تكتمل شرعيتها إلا بمباركة بتروغراد (عاصمة روسيا القيصرية – سان بطرسبرغ حاليا). فقد كانت روسيا تحت حكم القيصر نيقولا الثاني ترى في الحرب فرصة ذهبية لتحقيق أطماعها التاريخية في الوصول إلى “المياه الدافئة”، وهو ما تجسد في “اتفاقية القسطنطينية” السرية لعام 1915 التي ضمنت فيها روسيا سيادتها على إسطنبول والمضائق التركية مقابل اعترافها بمصالح بريطانيا وفرنسا في الأراضي العربية.
ومع مطلع عام 1916، وتحديدا خلال المفاوضات التي جرت بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، أوفدت لندن وباريس مندوبيهما إلى روسيا للحصول على المصادقة النهائية، حيث نجح وزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف في انتزاع مكاسب إضافية ضمن ما عُرف بـ”اتفاق سازونوف-باليولوغ”، والذي منح روسيا بموجبه الحق في ضم أرمينيا الغربية وأجزاء واسعة من جنوب شرق الأناضول، بالإضافة إلى حق التدخل في تحديد مصير القدس التي قُرّر وضعها تحت إدارة دولية.
غير أن هذا التحالف الثلاثي لم يدم طويلا، إذ عصفت الثورة البلشفية عام 1917 بالنظام القيصري وأعلنت القيادة الجديدة بزعامة لينين وتروتسكي براءتها من كافة “المعاهدات الإمبريالية السرية”. وفي خطوة زلزلت الأروقة الدبلوماسية في لندن وباريس، قام البلاشفة في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1917 بنشر النصوص الكاملة لاتفاقية سايكس-بيكو في صحيفتي “إزفستيا” و”برافدا”، مما كشف للعرب حجم التناقض بين الوعود البريطانية العلنية بالحرية وبين المخططات السرية للتقسيم.
وأدى هذا الانسحاب الروسي المفاجئ إلى إعادة رسم موازين القوى في الأشهر الأخيرة من الحرب؛ فمن جهة تسبب فضح الاتفاقية في إحراج دولي بالغ لبريطانيا وفرنسا أمام الرأي العام العالمي وهز مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون خاصة “حق تقرير المصير”، ومن جهة أخرى استغلت بريطانيا غياب روسيا عن طاولة المفاوضات اللاحقة للتنصل من بعض الالتزامات تجاه حلفائها، حيث ضغطت باتجاه تعديل الاتفاقية لتشمل سيطرتها المنفردة على فلسطين.
وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت المطامع الروسية في الأناضول قد تراجعت مع سقوط القيصرية، مما فتح المجال لاحقا لبروز حركة المقاومة التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك التي استفادت من التخبط بين الحلفاء بعد خروج روسيا، لتظل “سايكس-بيكو” في ذكراها التاريخية مرتبطة بالدور الروسي المزدوج الذي بدأ بمحاولة التهام الأراضي العثمانية وانتهى بتمزيق ستار تلك الاتفاقات السرية. دون أن يمزق تماما أحلام الروس في السيطرة على مياه البوسفور الدافئة التي تداعب مخيلة قادتهم بين الحين والحين.